• القسم : المجلس الشيعي .
        • الموضوع : الانتماء العصبي المذهبي / دراسة في الأسباب والآثار والحلول .

الانتماء العصبي المذهبي / دراسة في الأسباب والآثار والحلول

الانتماء العصبي المذهبي: دراسة في الأسباب والآثار والحلول

مقدمة: الانتماء العصبي المذهبي هو أحد أشكال الهويات الجماعية التي ترتبط بمعتقدات دينية أو طائفية معينة، حيث يؤدي إلى تكوين مجموعات متماسكة ولكنها قد تكون منغلقة على ذاتها. يمكن أن يكون لهذا الانتماء جوانب إيجابية كتعزيز الهوية والانتماء، لكنه قد يتحول إلى تعصب يؤدي إلى صراعات اجتماعية وسياسية، خاصة إذا اقترن بعوامل أخرى كالتاريخ المشترك أو المصالح الاقتصادية.

 

مفهوم الانتماء العصبي المذهبي:

يشير مصطلح "العصبية المذهبية" إلى الولاء الشديد لمذهب معين بشكل يجعله معيارًا أساسيًا في الحكم على الآخرين. وقد عرّفه ابن خلدون بأنه "التعصب للعشيرة أو الجماعة أو الطائفة"، ما يجعل الانتماء المذهبي مقياسًا رئيسيًا في العلاقات الاجتماعية.

أسباب الانتماء العصبي المذهبي:

* التنشئة الاجتماعية: حيث ينشأ الفرد في بيئة تزرع فيه الولاء لمذهب معين دون التفكير النقدي.

* التاريخ والصراعات: النزاعات التاريخية بين المذاهب تخلق ذاكرة جماعية تعزز الانتماء العصبي.

* التأثير السياسي: بعض الأنظمة السياسية تستغل الانتماءات المذهبية لترسيخ سلطتها أو إضعاف معارضيها.

* غياب الوعي والتسامح: الجهل بالمذاهب الأخرى وعدم الانفتاح على الحوار يؤدي إلى تكوين صور نمطية مشوهة عنها.

* التدخلات الخارجية: بعض القوى الخارجية تستغل العصبيات المذهبية لإثارة الفتن داخل المجتمعات.

آثار العصبية المذهبية:

* تفكك النسيج الاجتماعي: يؤدي التعصب إلى خلق فجوات بين أبناء الوطن الواحد.

* الصراعات والعنف: قد يتحول التعصب إلى صراعات طائفية مدمرة كما حدث في العديد من الدول.

* إضعاف الهوية الوطنية: يصبح الولاء للطائفة أقوى من الولاء للوطن، ما يهدد الاستقرار الوطني.

* تعطيل التنمية: تؤثر النزاعات الطائفية على التنمية الاقتصادية والاجتماعية بسبب عدم الاستقرار.

سبل معالجة العصبية المذهبية:

* تعزيز الوعي والتعليم: نشر ثقافة التسامح والتعددية من خلال المناهج الدراسية والخطاب الديني المعتدل.

* تشجيع الحوار بين المذاهب: تنظيم ندوات ولقاءات تجمع بين مختلف المذاهب لتعزيز التفاهم.

* إعلاء القيم الوطنية: التأكيد على الهوية الوطنية المشتركة بدلاً من الهويات الطائفية الضيقة.

* محاربة خطاب الكراهية: مراقبة وسائل الإعلام والمنصات الرقمية التي تبث الكراهية المذهبية.

* تحقيق العدالة والمساواة: ضمان حقوق جميع المواطنين دون تمييز مذهبي، ما يعزز الثقة بين المكونات الاجتماعية.

(صناعة العصبية المذهبية واستغلالها والاستفادة منه):

العصبية المذهبية ليست ظاهرة طبيعية تنشأ من فراغ، بل هي نتيجة لعمليات اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة، تشترك فيها أطراف متعددة، بعضها يصنعها، وبعضها يستغلها، وبعضها يستفيد منها.

أولًا: من يصنع العصبية المذهبية؟

1. التنشئة الأسرية والمجتمعية:

العائلات والمجتمعات التي تربي أبناءها على التعصب لمذهب معين وتنظر إلى الآخرين نظرة دونية.

الخطاب الديني المغلق الذي يركز على الاختلافات بدل المشتركات.

2. المؤسسات الدينية المتشددة:

بعض رجال الدين الذين يغذّون التعصب عبر الفتاوى والخطب التي تحض على كراهية الآخر.

المدارس الدينية التي تدرّس مناهج تعزز فكرة "الفرقة الناجية" واحتكار الحقيقة.

3. وسائل الإعلام الطائفية:

القنوات الفضائية والصحف والمواقع الإلكترونية التي تروّج لخطاب الكراهية المذهبية.

استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لبث الفتن ونشر الأكاذيب بين الطوائف.

4. التاريخ المشترك والنزاعات السابقة:

استدعاء الخلافات التاريخية وإعادة تفسيرها بطريقة انتقائية لخلق شعور بالمظلومية أو التفوق.

تأجيج المشاعر من خلال القصص والأساطير التي تعزز العداء بين المذاهب.

(من يستغل العصبية المذهبية)؟

1. الأنظمة السياسية المستبدة:

بعض الحكومات تستخدم الفتنة الطائفية كأداة لإحكام قبضتها على السلطة، عبر تقسيم المجتمع وإشغاله بالصراعات المذهبية.

استخدام العصبية المذهبية لقمع المعارضة أو تبرير سياسات استبدادية بحجة حماية طائفة معينة.

2. القوى الخارجية:

الدول التي تتدخل في شؤون الدول الأخرى عبر دعم طوائف معينة لخلق الفوضى أو تحقيق مكاسب استراتيجية.

الاستخبارات العالمية التي تعمل على تفتيت المجتمعات من خلال تغذية النزاعات المذهبية.

3. أصحاب المصالح الاقتصادية:

تجار الحروب الذين يستفيدون من النزاعات عبر بيع الأسلحة وتمويل الميليشيات الطائفية.

الشركات التي تستفيد من الانقسامات لتقسيم الأسواق والسيطرة على الموارد في المناطق المتنازعة.

4. الإعلام الموجّه:

وسائل الإعلام التي تتلقى تمويلًا لنشر الفتن، سواء من جهات حكومية أو منظمات ذات أجندات معينة.

الحملات الإعلامية التي تروّج لصورة معينة عن طائفة ما لإثارة الكراهية ضدها.

 (من يستفيد من العصبية المذهبية)؟

1. الطبقات الحاكمة والنخب السياسية:

بقاء المجتمعات منقسمة يعني أن الناس لن يوجهوا غضبهم نحو الحكومات بل نحو بعضهم البعض.

استخدام الانتماء المذهبي لكسب الأصوات في الانتخابات أو تبرير سياسات قمعية.

2. الميليشيات والجماعات المسلحة:

استمرار النزاعات الطائفية يمنح هذه الجماعات مبررًا للبقاء والتوسع تحت شعار "حماية الطائفة".

التمويل والتسليح الذي تحصل عليه هذه الجماعات بسبب استمرار الصراعات.

3. الدول الكبرى والإمبراطوريات العالمية:

الدول العظمى تستخدم العصبيات المذهبية لتقسيم المجتمعات ومنع وحدتها، مما يسهل السيطرة عليها.

استمرار الصراعات المذهبية يعني استمرار الحاجة إلى التدخلات الدولية، سواء العسكرية أو السياسية.

4. المؤسسات الاقتصادية الكبرى:

الشركات التي تستفيد من العقوبات الاقتصادية والنزاعات الإقليمية.

إعادة إعمار الدول التي دمرتها الحروب الطائفية يفتح بابًا واسعًا أمام المقاولات الدولية لتحقيق أهدافها .

(التصدي للعصبية المذهبية): استراتيجيات المواجهة

لمواجهة العصبية المذهبية والحد من تأثيرها في المجتمعات، يجب اتباع نهج شامل يجمع بين الإصلاح الثقافي، والسياسي، والاجتماعي، والديني. فيما يلي بعض الطرق الفعالة للتصدي لهذه الظاهرة:

1. تعزيز الوعي والتعليم

* إصلاح المناهج الدراسية: تعليم الطلاب قيم التسامح والتعددية، والتأكيد على المشتركات بين المذاهب بدلاً من التركيز على الاختلافات.

* نشر الثقافة النقدية: تشجيع التفكير النقدي العلمي ورفض القبول الأعمى للأفكار التي تعزز الكراهية.

* تنمية الوعي بالتاريخ الحقيقي: تقديم قراءة غير منحازة للتاريخ الإسلامي والعالمي، بعيدًا عن التأويلات الطائفية وعن تصنيم الأشخاص والأفكار.

2. نشر ثقافة الحوار والتسامح

* تنظيم لقاءات ومنتديات بين المذاهب: إشراك رجال الدين والمثقفين  من مختلف الطوائف في حوارات مفتوحة لتعزيز الفهم المتبادل شرط أن يكونوا من ذوي التخصص العلمي غير المنغلق وغير المتأطر بأطر الإنتماء العصبي وغير الخاضعين لأي سلطة مؤثرة على سياق توجهاتهم وطروحاتهم .

* إطلاق حملات إعلامية إيجابية: استخدام وسائل الإعلام لنشر رسائل التسامح والتعايش المشترك.

* تشجيع التفاعل الاجتماعي: تعزيز العلاقات بين الأفراد من مختلف المذاهب عبر العمل المشترك في المشاريع الاجتماعية والتنموية.

3. تحييد الخطاب الديني المتطرف

* إصلاح الخطاب الديني: دعم رجال الدين المعتدلين الذين يدعون إلى الوحدة والتسامح بدلاً من التحريض على الكراهية.

* مراقبة الفتاوى والخطب المتطرفة: وضع ضوابط قانونية لمنع التحريض الطائفي في المساجد ووسائل الإعلام.

* إبراز النماذج الدينية المعتدلة: تسليط الضوء على الشخصيات الدينية التي تدعو للتعايش السلمي.

4. تعزيز الهوية الوطنية المشتركة

* ترسيخ مفهوم المواطنة: التأكيد على أن الانتماء للوطن هو الأساس، وليس الانتماء المذهبي.

* المساواة في الحقوق والواجبات: ضمان العدالة الاجتماعية وعدم التمييز بين المواطنين على أساس طائفي.

* إلغاء المحاصصة الطائفية في السياسة: استبدال الأنظمة التي تعتمد على التقسيم الطائفي بأنظمة تعزز الكفاءة والمواطنة.

5. مواجهة استغلال العصبية المذهبية سياسيًا

* فضح الأجندات السياسية: توعية الناس بكيفية استغلال السياسيين للعصبية المذهبية لتحقيق مكاسب شخصية.

* دعم التيارات غير الطائفية:  التي تدعو للوحدة الوطنية بدلًا من التقسيم.

* تعزيز دور المؤسسات المدنية: دعم منظمات المجتمع المدني التي تعمل على نشر ثقافة التسامح.

6. محاربة الكراهية في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي

7. تعزيز التعاون الاقتصادي بين الطوائف

* مشاريع تنموية مشتركة: إنشاء مشاريع اقتصادية تشمل أفرادًا من مختلف الطوائف لتعزيز التعاون بينهم.

* محاربة التمييز في العمل: التأكيد على أن فرص العمل يجب أن تكون متاحة للجميع بغض النظر عن الانتماء المذهبي.

خاتمة

التصدي للعصبية المذهبية ليس مسؤولية فرد واحد أو مؤسسة واحدة، بل هو جهد جماعي يحتاج إلى تضافر الجهود على المستويات الثقافية والدينية والسياسية والاجتماعية. من خلال تعزيز الوعي، ونشر ثقافة التسامح، وإصلاح الخطاب الديني والسياسي، يمكن بناء مجتمع أكثر وحدة واستقرارًا، بعيدًا عن الفتن الطائفية والانقسامات المصطنعة.

 

ملاحظة أخيرة:

لا بد من ترسيخ فكرة أن التصدي للتطرف والعصبية هو فرض شرعي وإنساني وأخلاقي ووطني لا يستثني أحداً وإن كان من منطلق المستطاع لكل جماعة وفرد وأن التلاقي والتضافر والتعاون في هذا المجال هو واجب ومن الأوليات.

* مركز الدراسات والتوثيق في المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى

  طباعة  | |  أخبر صديقك  | |  إضافة تعليق  | |  التاريخ : 2025/04/02  | |  القرّاء : 175



البحث :

جديد الموقع :


 الانتماء العصبي المذهبي / دراسة في الأسباب والآثار والحلول
 خطبة عيد الفطر لنائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب
 خطبة الجمعة لنائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب
 خطبة الجمعة لنائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب
 الشيخ أكرم بركات يوقع في المجلس الشيعي كتابه "شيعة لبنان الاجتماع الثقافي الدين 1900- 2022 "
 كلمة العلامة الخطيب خلال اللقاء العلمائي الذي أقيم في مقر المجلس - الحازمية بمناسبة 15 شعبان
 كلمة العلامة الخطيب خلال كلمة تأبينية في حسينية بلدة المروانية
 خطبة الجمعة لنائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب
 ندوة حوارية في المجلس الشيعي حول فكر الإمام شمس الدين: الخطيب وسلام وعبس ورحال يطرحون رؤية العالم الراحل
 العلامة الخطيب يزور الخيام ويواكب العائدين إليها: اليوم إنكسر جبروت العدو إنتصارا لكل لبنان

مواضيع متنوعة :


 خطبتا عيد الأضحى المبارك لنائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب
 خطبة الجمعة لنائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب / لبايا.
 سِيْرَةُ الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الجَوَاد (عليه السلام)
 زيارة نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب الى بعلبك
 كلمة العلامة الخطيب خلال اللقاء الحواري الذي نظمه مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي
 إحياء اليوم الثامن من محرم في مقر المجلس
 الآثار التربوية للحج (1) - سماحة الشيخ محمد حجازي
 كلمة العلامة الخطيب خلال حفل تأبيتي في مدينة صور
 رسالة الجمعة لنائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب
 كلمة العلامة الخطيب خلال حفل تأبيني للعميد أمين حطيط في بلدة الدوير

إحصاءات :

  • الأقسام : 21
  • المواضيع : 118
  • التصفحات : 362415
  • التاريخ :
 
 
الموقع بإشراف : مركز الدراسات والتوثيق © في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى - لبنان
تصميم، برمجة وإستضافة :
الأنوار الخمسة © Anwar5.Net