• القسم : النشاطات واللقاءات .
        • الموضوع : خطبة الجمعة لنائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب .

خطبة الجمعة لنائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب



أدى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة في مقر المجلس - طريق المطار وألقى خطبة الجمعة التي قال فيها: 

بسم الله الرحمن الرحيم  الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله الطاهرين واصحابه المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في البداية وبمناسبة ذكرى شهادة السيدة الزهراء (س)، نتقدّم من سيدنا رسول الله (ص) ومن أئمة اهل البيت (ع)، وبالأخص من مولانا وإمامنا صاحب العصر والزمان وجميع المؤمنين والموالين بأحر العزاء والمواساة، التزاماً بقول الله تعالى (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)، اولا وثانيا لمقامها وموقعها حيث قال رسول الله (ص) فيها (فاطمة ام ابيها) و(فاطمة بضعة مني من اذاها فقد اذاني ومن اذاني فقد اذى الله ومن آذى الله فعليه لعنة الله)

قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد) سورة البقرة.

تتحدّث هذه الآية المباركة عن أهمّ وجه من وجوه المنّة على الخلق بعد نعمة الايجاد بإعطائهم قدرة التمييز بين الخير والشر (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) والقدرة على الاختيار بينهما (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) تفضيلا لهم على الملائكة. فالملائكة أُعطوا القدرة على التمييز، فهي مخلوقات عاقلة، ولكنها لم تُعط ِالقدرة على الاختيار بين فعل الخير وفعل الشر، وانما هي مُكلّفة في تنفيذ الارادة الالهية ولا قدرة لها على المخالفة والعصيان.. فإعطاؤه هذه القدرة للإنسان يعتبر ميزة له من ناحيتين: الاولى القدرة على الاختيار وهي ميزة تكوينية، والثانية أن يستخدم هذه القدرة في اختيار الطاعة وفعل الخير، لأنه حين أقدم على فعل الخير كان بمحض إرادته من دون إكراه، فيكون بهذا الاختيار قد استخدم هذا التميز التكويني في ما يحق استخدامه فيه، ولو استخدمه في ما لا يحقّ له لاستحق المؤاخذة عليه، إما انه لا يحق له استخدامه فيه، وهو الشر، لأنه اعطي له، لا على نحو التملك او حرية التصرف، بل إما تملك على نحو خاص او على نحو التصرف في ما شخّصه عقله من مواطن الخير. فالعقل او الشرع ولا تنافي بينهما، هما أدوات التشخيص لموارد استخدام هذا التميز، وهذا التفسير هو الذي يعطي الانسان معنى لوجوده كما يعطي وجوده قيمته الحقيقية، وبهذا نفهم معنى تكريمه، وهو قوله تعالى ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، وهو ما لا يعطيه اي تفسير آخر، وإلا فما هي الفائدة من العقل وقدرته على التمييز بين الخير والشر وتحسينه للخير وتقبيحه للشر، وإن حاول المنكرون لهذا الادراك العقلي إعطاءه تفسيرات مختلفة غير منطقية توافق أهواءهم ولا تجعل لكرامة الانسان معنى او لوجوده قيمة او هدفاً سامياً.. نعم هي تفسيرات توافق أهواءهم يحاولون بها الاجابة عن سؤال يفرض نفسه ويلحّ عليهم باإيجاد تفسير لهذا الوجود.

الاهواء التي تفرض نفسها على الارادة عندما تضعف امامها، وهنا محل الصراع الحقيقي داخل النفس بين ما تهواه وبين ما ينبغي ان تريده، بين أن تكون الارادة خاضعة للعقل او تكون خاضعة للهوى. فهناك الكثير من الامور التي يدرك الانسان ضررها، ولكنه يرتكبها كما أنك قد تتجادل مع إنسان في مسألة ما وتقدم له الدلائل والحجج المقنعة، ولكنه يعاند ولا يسلم بها.

وهذه الرغبات تُصاحب الانسان حتى آخر لحظات حياته، ولا تنتهي الا بانتهائها. ولذلك قال البعض إن حياة الانسان تدور بين الالم والسأم، فاذا لم يحصل على رغباته يعيش الألم، واذا حصل عليها يعيش السأم، لانه كلما حصل على ما يريده طالب بالمزيد، وسأم مما حصل عليه.. وفي محاولة حل هذه المعضلة تعدّدت الآراء بين الافراط او التفريط، فمنهم من ذهب الى التفريط وأن الانسان لا يمكنه التخلّص من هذا العذاب الا بالانتحار، ومنهم من ذهب الى الافراط بقتل الرغبة لدى الانسان بالرياضات الشاقة، وهو الحل عند بوذا، ومن هنا كانت رياضة اليوغا او كما ذهب اليه القائلون بالرهبنة بقتل شهوة الجنس.

ولكنّ الإسلام اتخذ خطاً وسطاً بين الأمرين: بين الرغبة التي تثيرها الشهوات والرغبات، وبين السموّ والتعالي بالارادة عن الحالة الحيوانية التي عبر عنها بتزكية النفس (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا  وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) عبر اعطاء الحياة معنى اسمى وان تكون رغبته الى رضى الله سبحانه وتعالى ( وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ).

﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ۚ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

وذلك بإعطاء المعنى الحقيقي للرغبات والشهوات، وانه متاع قليل وانه زائل لادوام له، وان يقتصر منه في الدنيا على ما أحلّه الله له، وأن يتطلع الى ما يدوم ويبقى، وهو ما ادخره الله للانسان في الحياة الآخرة، فزهد في الدنيا ورغب في الاخرة، وبذلك يتخلّص من ألم الحرمان وسأم الوجدان.

إنّ اعطاء الحياة الدنيا التي هي تعبير عن الرغبات والشهوات، إن اعطاءها القيمة العليا وأن يكون تحقيقها والرضوخ لمتطلباتها الهدف والغاية، هو الذي يشقي حياة الانسان ويذكي الصراعات بين البشر ويحرمها من الشعور بالهدوء والسكينة كما قال رسول الله (ص): "حب الدنيا رأس كل خطيئة".

بينما جعلها طريقا للحياة الخالدة وميدانا لاكتساب المكارم والعمل الصالح والتضحية والقناعة والتواضع وانواع البر والتسامح والمحبة والإيثار، ما يضفي على النفس الرضا والاستقرار.

ألا ترون أن المؤمن يُقدِم على الشهادة باختيار منه ورضا، مع انه يبذل أعزّ ما لديه، لا لأنه يائس من الحياة، بل لسموّ معنى الشهادة عنده، وأن الفقير يرضى بما قسم الله له لإيمانه بان الرزق من عند الله، من دون أن يدعوه ذلك الى الكسل في طلب الرزق، ولا تمنعه القلة في التصدق والانفاق، بينما الغنى غالبا مشغول بطلب المزيد، وهو يعيش القلق خوفاً من الحاجة والفقر وزوال النعمة، وكلما ازداد ثراءً ازداد بخلاً وحرصاً.

إن الخوف على خسارة الدنيا هو خوف مزيف لأنها زائلة، فهي دار الفقر، وإن ما يجب أن يُخاف منه هو الخوف من خسارة الآخرة، لأنها الحيوان لو كانوا يعلمون.. "فلا تخافنّ الا ذنبك ولا ترجون الا ربك" كما عن أمير المؤمنين علي (ع).

 

أيها الاخوة،

 في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها أهلنا أمنياً واقتصادياً نتيجة العدوان الاسرائيلي المستمر والحصار المالي وعجز الدولة عن القيام بوظيفتها في مواجهة العدوان وتحرير الارض وعودة النازحين الى قراهم وإعادة الاعمار وتحرير الاسرى والتواطؤ الدولي والتهويل بشن حرب واسعة على لبنان، يطمع العدو اليوم بعد فشله في كسر إرادتنا وهزيمتنا وتغيير المعادلات الداخلية، بفرض التفاوض المباشر على لبنان عبر التهويل مجدداً بتوسيع الحرب. وقد قام في الايام الاخيرة بهجمات متعددة طاولت القرى والمدن الجنوبية، سقط نتيجتها عدد من الشهداء والجرحى المدنيين وتدمير بعض البيوت السكنية وإرهاب المدنيين.

 إنّنا إذ ندين هذه الاعتداءات الوحشية، فإننا ندعو الحكومة اللبنانية الى عدم الرضوخ لشروط هذا العدو، والاصرار على تطبيق الاتفاق ١٧٠١.. واننا بصمود شعبنا وبوحدتنا الداخلية وبوحدة الموقف الرسمي، قادرون بإذن الله على إفشال اهدافه كما أفشلناها في المرحلة الماضية.. فإرادتنا لن تهتز ولن نتراجع عن الدفاع عن سيادة بلدنا وترابنا الوطني وكرامة شعبنا مهما اشتدت الضغوط وغلت التضحيات.

وللمراهنين على استثمار وجعنا نقول لهم: لقد سقطتم أخلاقياً ووطنياً، وسوف تسقط مراهناتكم. فلبنان سوف يبقى وطنا لجميع بنيه، ونأسف أن يراهن البعض على العدو ووهم سقوط إخوانه في الوطن، والأجدى أن يراهن بعضنا على الآخر ويشدّ أزره في مواجهة العدو.. فلبنان لن يبتسم ما دام جنوبه متألماً.

كما نراهن على موقف فخامة رئيس الجمهورية والجيش اللبناني ونشدّ على يديه في الاقتراح حول وقف قرار حصر السلاح رداً على استمرار العدو في عدوانه على لبنان.

 

 

  طباعة  | |  أخبر صديقك  | |  إضافة تعليق  | |  التاريخ : 2025/11/07  | |  القرّاء : 936



البحث :

جديد الموقع :


• العلامة الخطيب في خطبة الجمعة يدعو لحوار عاجل بين الحكومة والحركة النقابية لتصحيح الوضع المعيشي
• العلامة الخطيب يدعو في خطبة الجمعة لتشكيل لجان في البلدات والقرى لمتابعة شؤون النازحين واغاثتهم
• العلامة الخطيب في خطبة الجمعة يدعو لحوار يضع رؤية وطنية بديلة لخيار التفاوض الفاشل.. نزع السلاح في ظل الاحتلال يخالف القواعد والشرائع الطبيعية
• العلامة الخطيب في كلمة في افتتاح مؤتمر الوحدة الاسلامية في طهران : لتشكيل هيئة حوار مع حكومات العالم الاسلامي لطمأنتها وتجاوز عوامل التفرقة
• العلامة الخطيب يهنئ المسلمين واللبنانيين بالمولد النبوي .. ويدعو الامة الاسلامية للخروج من حالتها الراهنة وبناء تحالفات تعيد رسم السياسات والخرائط
• العلامة الخطيب في خطبة الجمعة: نرفض ان يتحول الجنوب الى ورقة انتخابية اسرائيلية ..والمطلوب رؤية وطنية جامعة لمواجهة المرحلة
• العلامة الخطيب في احتفال تكريمي للراحل للشيخ حسن طراد ينتقد موقف السلطة حيال الاحتلال الإسرائيلي
•  العلامة الخطيب في خطبة الجمعة يرحب بالدعوة إلى لقاء وطني واسع يضع رؤية واضحة للمرحلة المقبلة .. لن نتخلى عن شبر واحد من ارضنا. .. ولا رهان على نتائج الانتخابات الاسرائيلية
• العلامة الخطيب : يريدون القضاء على المقاومة.. والاستسلام الذي يودي بنا الى الهلاك
• خطبة الجمعة كاملة للعلامة الخطيب

مواضيع متنوعة :


• سِيْرَةُ الإِمَامِ الحَسَنِ بنِ عليٍّ (عليه السلام)
• كلمة العلامة الخطيب خلال حفل تأبيني في المركز الإسلامي الثقافي في رويسات الجديدة
• إحياء الليلة الثانية من محرم الحرام في مقر المجلس
• العلامة الخطيب يستقبل منسقة الخاصة للأمم المتحدة يوانا فرونتسكا
• العلامة الخطيب يستقبل رئيس الاتحاد العمالي العام د. بشارة الأسمر على رأس وفد
• العلامة الخطيب في كلمة في افتتاح مؤتمر الوحدة الاسلامية في طهران : لتشكيل هيئة حوار مع حكومات العالم الاسلامي لطمأنتها وتجاوز عوامل التفرقة
• إحياء اليوم الثاني من محرم في مقر المجلس
• ورقة عمل المجلس للإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية 1977 م
• كلمة العلامة الخطيب خلال المجلس العاشورائي الذي أُقيم في حسينية بلدة الوردانية
• رسالة الجمعة لنائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب

إحصاءات :

  • الأقسام : 21
  • المواضيع : 249
  • التصفحات : 1015120
  • التاريخ :
 
 
الموقع بإشراف : مركز الدراسات والتوثيق © في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى - لبنان
تصميم، برمجة وإستضافة :
الأنوار الخمسة © Anwar5.Net