
أدى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة في مقر المجلس - طريق المطار وألقى خطبة الجمعة التي قال فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا ومولانا ابي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين واصحابه المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال تعالى: (شَهِدَ اللَّـهُ أَنَّهُ لَا إِلَـهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَـهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)
ايها الاخوة
لم يحظَ موضوع في القرآن الكريم من الاهتمام ما حظيَ به موضوع الالوهية، اذ شكّلت نقطة الارتكاز الأساسية، ومحور كلام الله تعالى فيه والهدف الذي أراد تنبيه العقول اليه وكان المقصود الاول من بعث الانبياء والرسل (ع)، بل بلغ من الاهتمام الالهي مبلغاً أن يكون أول البشر وجوداً في هذا الكون نبيّ وخليفة لله تعالى قبل أن يتوالد ويتكاثر ليرسم للبشرية من نقطة البداية مسارها الصحيح الذي يحقق الغرض من الوجود، فلا يشطّ عن الطريق فيضيع فتزلّ به القدم ويضيع الهدف، لأن الانسان مركّب من جملة من الغرائز التي لولاها لم كان له وازع يدعوه للحركة من دونها لما فيها من كلفة، كما في الزواج حيث يُرتّب على المرء أن يتحمّل العواقب التي تنشأ عنه من تشكّل الاسرة واحتياجاتها وهمومها، والحمل وما يعنيه للزوجة من التعب والالم. فلولا غريزة الجنس وحبّ الولد والكثرة لما أقدمَ امرؤٌ عليه، فهي تشكل أهم الدوافع لهذا الارتباط.
وهكذا مجمل النشاط البشري، فإن المحرّك الاساسي له هي الغرائز حتى ما يبدو ناتجاً عن الحاجة في البقاء على قيد الحياة، فإن غريزة حبّ البقاء هي الباعث لبذل الجهد من أجل سدّ هذه الحاجة. ولكن الغرائز مطلقة العنان بحدّ ذاتها، وهي ليست مقيّدة آلياً وتكويناً بحيث تقف عند سدّ الحاجة، وهي بحاجة الى ما يُقدّر حاجتها ويوقفها عند حدود الحاجة، وهذا جعل أمراً منفصلا ًعنها ربط بأمر اختياري يقوم بوظيفة إدراكه العقل.
وهنا تقع منطقة الامتحان والصراع بين متطلبات الغرائز والاهواء الجامحة وبين العقل الذي يدعو الى كبحها وإيقافها عند حدود الحاجة، تحقيقاً للمصلحة ودفعاً للضرر، ولكنه مع ذلك ولأن الانسان لا يمتلك القدرة الكافية لتحديد المصالح والمفاسد في كثير من الأمور، لأن معارفه ليست ذاتية وانما يكتشفها عبر التجارب، فقد يرتكب الكثير من المفاسد دون معرفة منه، حتى يتعرّف اليها عبر التجارب المتعددة، كان بحاجة الى عامل آخر يتعرّف منه عليها تفادياً للوقوع فيها، خصوصاً منها ما له ارتباط بالوجود والاجتماع الانساني الذي لا يحتمل التجارب وتكون الاضرار فيها كارثية.
لذلك كانت الحاجة ماسّة لوسيلة اخرى ولمصدر آخر يمتلك هذه المعرفة وهذا العلم، وليس هو سوى الله تعالى الذي خلق البشر ومصدر الوجود والخلق الذي هو أعلم بمن صنع وخلق للتعرّف اليها تفادياً لهذا النوع من الاضرار، فكان بعث الرسل والانبياء (ع) الذين قاموا بهذه المهمة الجليلة، اذ تلقّوا عبر الوحي هذه المعرفة ووظّفوها في خدمة الانسانية.
إنّ الاقرار بالألوهية لم يكن ليتوقّف على هذا الادراك لفلسفة الخلق، فهي مسألة فطرية ضرورية من أولويات الادراكات البشرية، عندما يدرك وجوده ويلتفت اليه. ولذلك يسأل عن مصدر الاشياء التي يراها وعن علّة وجودها، ويستنكر أن يقال له ان لا موجد لها بل يستهزئ، ولا يأخذه على محمل الجدّ. وحتى بعض الذين يلحدون في الله ولهم تفسير فلسفي مادي للوجود، اضطروا الى أن ينسبوا الوجود الى علّة نهائية فلسفوها ميكانيكياً وبصورة لا تصمد امام النقاش العلمي، والبعض الآخر ذهب في تفسيره للوجود الى القول بالصدفة، وقد بان هزال هذه التفسيرات التي اعطيت صفة العلمية، وهي لم تكن تستند الى حقيقة علمية، وإنّما هي مجرد نظريات استندت إلى أوهام وخطأ من بعضهم في تحديد مصادر المعرفة وحصرها في الوسائل الحسية المادية والتجريبية، وإنكار ما وراءها، وهو خطأ فادح أدّى الى نتائج خطيرة في طرق التفكير ومناهجه وعدم الاعتبار للقضايا الأخلاقية والقيم المعنوية واختلاق قيم ومبادئ بديلة كان لها أسوأ النتائج على المجتمعات البشرية، وإنّ ما يجب أن يحكم العلاقات البشرية هي القوة والمصالح المادية، وهي ما نشأت على أساسه النظم الاجتماعية في الغرب وبرّرت على أساسه مظالمها واستعمارها واستحواذها على خيرات الشعوب الأخرى المستضعفة، من دون إحساس بالذنب أو بالإدانة الأخلاقية، لأنها محتها من قاموسها القيمي. ومن هنا قامت سياستها الخارجية على أساس موازين القوى وأن المجتمعات البشرية ليست سوى ساحة للصراع، من الحق أنْ يأكل فيها القوي الضعيف، فجعلت من المجتمع البشري عبارة عن غابة من الوحوش المتطورة كان أساسها نظرية التطور الداروينية، لا يُحسب فيها حساب لقيم العدالة والحق والانصاف، وإنّ فلسفة وجود المجتمعات الضعيفة أن تكون طعماً للوحوش البشرية الكاسرة، كما هو شأن السمك الضعيف في المحيطات، أن تكون طعماً للحيتان. ومن المؤسف أنّ هذه الفلسفة المادية الغربية لاقت انتشاراً ونفوذاً في المجتمعات الاسلامية والعربية، جعلتها تستسلم لهذا الواقع أمام ما تتعرّض له من الغرب..
نرى ذلك في الأبواق التي تُروّج لثقافة الاستسلام بحجة الواقعية السياسية التي أصبحت ثقافة سائدة لدى نخب متنفذة في بلادنا، وهو ما يُفسّر هذا السكوت المطبق في العالم العربي والاسلامي أمام التغوّل الغربي والتحالف السياسي معه من الأنظمة الحاكمة التي ترى مصالحها الطائفية والسياسية في ذلك، وطوَّعت هذه المجتمعات لما يخدم أهدافها فتبلَّد إحساسها الوطني والقومي وحتى الانساني الذي حجبه هذا الانبعاث الطائفي والمذهبي الذي عزَّزه ما سُمّيَ بالواقعية السياسية والاحساس بالضعف أمام الغرب وآلته العسكرية وتطوره التقني الذي حوَّلها الى أداة بيد القوى العالمية المهيمنة لقمع محاولات النهوض في وجهها التي تمثلها حركات المقاومة، وأثبتت فعاليتها في مواجهة قوى العدوان وتفكيك مجتمعاتها وانهاء عوامل القوة لديها، معتقدةً أنها هي العدو الذي ينبغي إنهاؤه والقضاء عليه.
إنّ الهدف من هذا التحليل أيّها الاخوة، لا يُقصَد منه إيجاد حالة من الإحباط لدى الجمهور من الناس، وإنّما قراءة الواقع كما هو ليتسنّى لنا معالجته بالطرق السليمة، وإنه رغم كل ذلك فإن القوى المقاومة في العالم العربي والاسلامي التي خاضت وتخوض معركة النهوض والمجابهة لم تخسر هذه الحرب، بل أثبتت جدارتَها وقدرتَها في خوضها وثباتها رغم ظروفها الصعبة، وقد حقّقت في فترة قصيرة نسبياً نجاحاتٍ لا بأس بها، بعد أن ظنَّ الكثيرون أنّ الحرب حُسِمت لصالح الغرب، وأنّ الرايات البيض والاستسلام التي رُفِعت من البعض تُمثّل أمراً واقعاً للأمة، ولكن ما حدث بعد كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة من انبعاث جديد للمقاومة تطوّر بشكل لم يحسب له العدو حساباً، وبدت المقاومة تُمثّل الوجه الحقيقي للأمة وتطلعاتها والسدّ المنيع في وجه الغرب وأهدافه، اضطر معها للدخول في المواجهة بشكل مباشر، بعد أن كان قد اكتفى بأداته المتمثّلة بما يُسمّى إسرائيل وبعض عملائه المثبطين والمروّجين لثقافة الاستسلام والهزيمة.
ولكنّه رغم ذلك فإنّ المقاومة ثبتت في الميدان، ولم يستطع الغرب أن يُحقّق هزيمتها وأنْ يحيدها من الميدان رغم الخسائر الجسيمة والندوب التي أحدثها في جسد المقاومة، فلم يستطع أن يفرض عليها الاستسلام ولا شروط الهزيمة، وما زال الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة التي خاضت المعركة بشكل مباشر كما قلت، تمارس أقوى الضغوط لنزع سلاحها رغم ادّعائها أنّها دمَّرت مخازن سلاحها، وأنّها لم تعد تمتلك القدرةَ على المواجهة ما يفضح ادعاءاتها، وإلا فلماذا تمارس ضغوطها القصوى على لبنان، سياسية وإعلامية، من أجل نزع السلاح.
أيها الاخوة،
إنّنا لا نستهين بالعدو حينما نقول إنّه فشل في تحقيق أهدافه، وحينما لا نخضع للتهديدات التي يمارسها ويستجيب لها البعض، ومنهم للأسف من هو في موقع القرار، ولكنّنا نستند الى منطق صحيح والى قوة حقيقية أثبتت قدرتها على تخطي الاخطار وعلى إيماننا بحقّنا، واعتماداً على الله تعالى المنتصر للحقّ وأصحابه، فهو اعتقاد يستند الى الوقائع والى الايمان.
ومن هنا فخطابي غير موجَّه الى أصحاب الخطاب العدائي لأن هؤلاء ساقطون من الحساب، وانما الى الواقعيين. فالواقع أيضاً أمر مشهود وهو مُثبت بالوقائع الحسّية، ان التنازل يجرّ التنازل، وكلما أعطيت العدو أمراً طالبك بالمزيد، كالنار كلما زدتها وقوداً زادت اشتعالاً ولن يقف عند حدّ.
لقد جرَّبت الحكومة ذلك ونصحناها بعدم الخضوع ولكنها أصرَّت على ارتكاب هذه الخطيئة بمزيد من الأخطاء، حيث تخلَّت عن الاجماع الوطني فماذا كانت النتيجة؟.
لقد وعدها المبعوث الامريكي بأنه سيضغط على العدو المحتل، وقال أمام الاعلام ان الخطوة التالية يجب ان تكون من قبل الكيان، والذي حصل أن عاد بخفي حنين، وفوق ذلك يطلب المزيد من الإذعان ودفع الجيش اللبناني الى الصدام مع المقاومة، فهل ستسجيب الحكومة الى هذا المطلب القاتل وتستسلم لإرادة من يعتبرونه صديقًا وهو يهين لبنان حين يتلفظ بألفاظ مهينة من موقع يُمثّل رمز السيادة الوطنية، وقد فعلتها قبله زميلته، ويظهر ان هذا هو السلوك الامريكي الطبيعي مع من يخضع له ويستجيب لضغوطه، فهل ستتعلم الحكومة من هذه التجربة أم ستُصرّ على سلوك هذا النهج؟
وهل التدخل الامريكي الوضح والفاضح في الشؤون الداخلية والتهديدات التي يطلقها مبعوثوه للشعب اللبناني لا تستحق الردّ من الحكومة اللبنانية ومسؤوليها، بينما تستأسد على الجمهورية الإسلامية
حتى يصح فيهم قول الشاعر:
أسدٌ علي.. وتعرفون البقية
نحن نريد لهذه الحكومة النجاح في التصدي للقضايا الوطنية وخدمة شعبها، والانتصار لكرامته ولا شيء غير ذلك.
أخيراً: نتوجّه بالعزاء الى الشعب اللبناني والجيش قيادةً وضباطاً وجنوداً باستشهاد كوكبة من أبنائنا في العدوان الصهيوني الغاشم المستمر على بلدنا في تجاوز فاضح للقرار ١٧٠١ وللقانون الدولي، ونضع هذا العدوان برسم المنظمات الدولية ومجلس الامن، حيث تقف الولايات المتحدة الامريكية مؤيّدة لهذا العدو، وتمنع تنفيذ قراراته باستخدام الفيتو.