|
أدى نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة في مقر المجلس على طريق المطار والقى خطبة الجمعة التي جاء فيها: بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين. نحمده ونستعينه ونستهديه. الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا عَرَّفَنَا مِنْ نَفْسِهِ، وَأَلْهَمَنَا مِنْ شُكْرِهِ، وَفَتَحَ لَنَا مِنْ أَبْوَابِ الْعِلْمِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَدَلَّنَا عَلَيْهِ مِنَ الاخْلاصِ لَهُ فِي تَوْحِيدِهِ، وَجَنَّبَنَا مِنَ الالْحَادِ وَالشَّكِّ فِي أَمْرِهِ. حَمْداً نُعَمَّرُ بِهِ فِيمَنْ حَمِدَهُ مِنْ خَلْقِهِ ، وَنَسْبِقُ بِهِ مَنْ سَبَقَ إِلَى رِضَاهُ وَعَفْوِهِ. حَمْداً يُضِيءُ لَنَا بِهِ ظُلُمَاتِ الْبَرْزَخِ، وَيُسَهِّلُ عَلَيْنَا بِهِ سَبِيلَ الْمَبْعَثِ، وَيُشَرِّفُ بِهِ مَنَازِلَنَا عِنْدَ مَوَاقِفِ الأشْهَادِ، يَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ، يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ.
وصَلِّ اللهم عَلَى مُحَمَّد أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ، وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَصَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ، إمَامِ الرَّحْمَةِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَمِفْتَاحِ، كَمَا نَصَبَ لِاَمْرِكَ نَفْسَهُ، وَعَرَّضَ فِيْكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ، وَكَاشَفَ فِي الدُّعَآءِ إلَيْكَ حَامَّتَهُ وَحَارَبَ فِي رِضَاكَ أسْرَتَهُ وَقَطَعَ فِىْ إحْياءِ دِينِـكَ رَحِمَهُ وَاقصَى الادْنَيْنَ عَلَى جُحُـودِهِمْ، وَقَرَّبَ الاقْصَيْنَ عَلَى اسْتِجَابَتِهِمْ لَكَ وَوالَى فِيكَ الابْعَدِينَ، وَعَادى فِيكَ الاقْرَبِينَ، وَأدْأبَ نَفْسَهُ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِكَ.
وصلِّ اللهم على إله الهداة النجباء الاصفياء الاتقياء حججك على خلقك الذين أمرتنا بطاعتهم ومودتهم سفن نجاتك وعدل كتابك، المتقدّم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق، وعلى جميع انبيائك ورسلك وسلم عليهم وعلى الصالحين من عبادك.
اللَهُمَّ فَارْفَعْهُ بِمَا كَدَحَ فِيكَ إلَى الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مِنْ جَنَّتِكَ، حَتَّى لاَ يُسَاوَى فِي مَنْزِلَة وَلا يُكَاْفَأَ فِي مَرْتَبَة وَلاَ يُوَازِيَهُ لَدَيْكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نبيٌّ مُرْسَلٌ، وَعَرِّفْهُ فِي أهْلِهِ الطّاهِرِينَ وَاُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حُسْنِ الشَّفَاعَةِ أجَلَّ مَا وَعَدْتَهُ يَا نَافِذَ الْعِدَةِ يَا وَافِىَ الْقَوْلِ يَا مُبَدِّلَ السّيِّئات بِأضْعَافِهَا.
ايها الاخوة المؤمنون،
أيها القابضون على الجمر في هذا الزمن الرديء،
رأيت من المفيد في هذا الظرف الذي طغى فيه الكفر وكشف فيه عن وجهه القبيح بكل جبروته وعتوه، وظهر فيه يأس الامم والدعوة للأستسلام له كأنه قدر لا يمكن مجابهته ومواجهته، رأيت امام هذا الواقع أن أُذكّر بأن هذا المشهد ليس بالجديد ولا الفريد، وهو ليس إلا مشهداً من مشاهد التاريخ المتكررة في حياة الامم والشعوب، له اأسبابه التي تصنعها الامم والشعوب بايديها، وهو ليس حتمية تاريخية لا يمكن تغييرها وتفرض التعامل معها بالركون اليها والتسليم بها، ذلك أن الحتمية التاريخية الوحيدة التي تفرض نفسها ويجب الانصياع لها أن النتائج مرهونة بأسبابها التي هي فقط من صنع الانسان، وأنه ليس من قانون على الاطلاق يصنع أقدار البشر خارج إرادتهم، وليست مقولة الحتمية التاريخية سوى مقولة خاطئة، وهي تكرار لمقولة الجبر عند البعض في تاريخ المسلمين لتبرير افعال حكام الجور وتعطيل أرادة التغيير التي هي اللبّ في ما دعا اليه الإسلام، بل هي تعبير عن جوهر الدين في الدعوة الى مواجهة الظلم والاستبداد والفساد والإفساد التي لا معنى لها من دون تحرير العقول، فهي ليست سوى عملية تعطيل للعقول وتلاعب بالمفاهيم وتسمية للجهل باسم العلم والمعرفة وقلب للحقائق وتخدير للشعوب بإسم التقدم وتخديم للاستعمار بالاستحمار، حين أطلق على الدين بأنه تخدير للشعوب حتى استطاعوا عزله عن الحياة وعطلوا مهمته عن التأثير، فاستطاعوا أن يتلاعبوا بمصائر الامم حين أصبحت أمة إقرأ وأمة الدعوة الى التفكر، أمة الصمّ البكم العمي الذين لا يعقلون، أتباع البهيمة توجههم الإشاعة، وتسيّرهم عبر أدوات التواصل الاجتماعي الاشاعة دون تدبر أو تفكير في الاهداف التي تقف وراءها والعواقب التي تترتب عليها فاصبحوا اتباع كل ناعق، كالبهيمة التي لا تدري ماذا يراد بها، يساقون كما تساق الاغنام لا تعلم أن الماء الذي يُقدّم لها ليس الا للذبح، دفعوها للتقاتل المذهبي وأثاروا فيها الجاهلية القومية والأثنية، فاندفعت بكل جرأة تسفك دماءها بينما يعمل فيها اعداؤها قتلاً وذبحاً وللأعراض انتهاكاً، من دون ان يثير ذلك فيها حميّة او نخوة.
واليوم يقال لها أن ما يصنعه فرعون العالم، هو قدر لا يمكن مجابهته. ألم يضرب الله لكم في كتابه الامثال عن الامم السابقة وفعله فيهم حين بغوا وطغوا، من فرعون وعاد وثمود وغيرهم:
(أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ * وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ * فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ).
لقد شملهم العذاب جميعاً حين استسلموا للطغاة والجبابرة، وأنجى الله القلة التي لم تذعن ولم تستسلم للأمر الواقع، وآمنوا بالسنّة الالهية التي قضت بأن مصير الطغاة والجبابرة هو الهلاك.
ونحن اليوم نعيش نفس التجربة، فانسياق العالم مع الفساد الاخلاقي والقيمي والتضليل الفكري هو الذي أنتج فرعوناً جديداً يذبح الابناء ويستحيي النساء، وتحوَّل العالم الى عامل سخرة يخدم هذا الفرعون ويخضع لنظام القوة ويراه قدره الذي يستسلم له.
إنّ المشكلة اليوم تحوّلت من مشكلة محدودة في الزمان والمكان الى مشكلة دولية منشأها التسليم بهذه الفكرة الشيطانية التي كانت دوماً هي مشكلة الامم المقهورة والمضللة، وما لم تعِ هذه الحقيقة فالمصير الاسود لن يقتصر على الطغاة أفراداً وأمماً، وإنّما سيعم العذاب الجميع.
إنّ مبدأ حق القوة هو المسؤول عن كل ما يعانيه عالم اليوم، حيث لا يمكن أن يجتمع هذا المبدأ مع مباديء وقوانين انسانية، وهو ما دفع اليوم بترامب الى استباحة كل القوانين الدولية والمباديء الإنسانية.
أيها الأخوة،
إذاً نحن نعيش في هذه المرحلة عصراً عالمياً فرعونياً جديداً، تُمثّل الإدارة الأميركية نموذجه الأسمى، حيث تسمح لنفسها بممارسة أعتى التصرفات ضد الآخرين من دون حسيب أو رقيب أو اعتبار للقوانين والشرعية الدولية، وكل ذلك تحت شعار الديموقراطية، فتُجيز لنفسها السطوّ عسكرياً على دولة محورية كفنزويلا، وتخطف رئيسها وعقيلته وتزجّهما في السجن تحت مبررات واهية، لدرجة أدهشت وصدمت، حتى حلفاءها فضلاً عن أعدائها ، حتى انبرى الرئيس الفرنسي ماكرون، للإعراب عن أسفه لأن الولايات المتحدة «تتخلى تدريجياً» عن حلفاء لها، و«تتجاهل القواعد الدولية»، متحدثاً عن «عدوانية استعمارية جديدة» متنامية في العلاقات الدبلوماسية.
كان يمكن لهذه السياسة الهمجية أن تدفعنا لتحييد أنفسنا عن تصرف بعيد عن أرضنا ومنطقتنا، لولا أن هذه الممارسات تطال بلدنا ومنطقتنا أيضاً، وتضغط على مصيرنا ومستقبلنا، من خلال الدعم المطلق الذي تمحضه الإدارة الأميركية للكيان الصهيوني الذي ينزل ببلدنا وأهلنا قتلاً وتدميراً من دون رادع أو وازع.
إنّ العصر الأميركي يمارس طغيانه علينا يومياً. فالسلاح الذي تقتلنا به إسرائيل هو سلاح أميركي، والمال الذي يتمتع به العدو هو مال أميركي، والدعم الذي يحظى به الكيان الصهيوني هو دعم أميركي. ومن هنا على السلطة اللبنانية أن تفارق منطق الإنتظار وأن تفعّل تحركها في كل الإتجاهات، وتشغّل دبلوماسيتها النائمة والغائبة عن الساحة العربية والدولية، بل هي أكثر من ذلك تبدو هذه الدبلوماسية معادية أحيانا لآلام ومعاناة شعبها من خلال بعض المواقف غير المستغربة لأنها تخضع لنفس المبدأ.
غير أننا هنا ننوّه بموقف فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس النواب، المستند إلى الموقف الوطني لقيادة الجيش اللبناني الذي وضع الأمور في نصابها، وأشار إلى الخلل الحقيقي في موضوع تثبيت وقف النار وردع العدوان الإسرائيلي، والمتمثّل في استمرار الاحتلال لأجزاء من أرضنا، ما يحول دون عودة النازحين إلى بلداتهم وإعادة إعمار ما تهدم، وكذلك عدم الإفراج عن الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية.هذه المطالب التي يفترض أن تتمسك بها الدولة اللبنانية قبل القيام بأي خطوة أخرى.
وإننا هنا لنأسف لموقف الحكومة اللبنانية التي تسوّف وتماطل في إطلاق مسيرة الإعمار، أو حتى إقرار الآليات الضرورية لهذه العملية، من خلال تأجيل هذا الموضوع من جلسة مجلس وزراء إلى جلسة أخرى.. كما نأسف لتجاهل الحكومة لمعاناة النازحين، وهو أقل واجب يُفترض أن تقوم به في مواجهة هذا الواقع المرير، حيث يناقض الواقع ما يقال في التصريحات، من الاهتمام بأهلنا الصابرين.. وأخشى ما نخشاه أن يفقد هؤلاء صبرهم حيال اللامبالاة الرسمية تجاه معاناتهم .
إنّ حرب الإستنزاف التي يخوضها العدو ضدنا، تبدو من دون أفق في ظل حالة الإسترخاء والتبلد والإنتظار لمصيرٍ ومستقبلٍ مجهولين، ما يُحتّم القيام بمراجعة ضرورية، تُخرج البلاد والعباد من الظروف الصعبة التي تفتك بالوطن وأهله.
ولا بدّ لنا من الاشادة بموقف الجمهورية الاسلامية الايرانية التي تواجه هذا المنطق الطاغوتي للإدارة الامريكية بكل شجاعة، رافضةً الخضوع والاستسلام له، متّكلة على قيادتها الرشيدة والشجاعة وعلى شعبها وايمانها ومبادئها وكرامتها، وأحقّية مواقفها ومظلوميتها وهي المبادئ الضرورية للانتصار.
وننوّه بحسن التعاطي مع الواقع العربي واللبناني لإفشال المخطط العدواني في دفع هذه العلاقات باتجاه سلبي لا يخدم مصالح الطرفين ويحقق اهداف العدو الذي يعمل على تدمير عوامل القوة لشعوبنا التي أثبتت بالتجربة أن عدوها الوحيد هو الولايات المتحدة وربيبتها الكيان المؤقت.
كما ننوّه بالجهود المشتركة للجمهورية الاسلامية الايرانية والمملكة العربية السعودية في زيادة التعاون والتنسيق لمجابهة التحديات التي التي تواجهها الامة، ونأمل في اتساعها لتشمل بقية الدول العربية والإسلامية، وخصوصاً دولة مصر الشقيقة وتركيا التي ظهر واضحاً استهدافهما بالتقسيم، ليتسنّى للعدو أن يُحقّق الظروف الموضوعية لمشروع اسرائيل الكبرى في المنطقة.
أخيراً، أوجّه خطابي لأهلنا وأبنائنا الذين يتعرّضون لأحد اقسى امتحان على مدى تاريخهم، من حرب همجية تعددت اطرافها بين خارجية وداخلية تهدف الى إرهابكم وتيأيسكم لينالوا من صمودكم ويحبطوا معنوياتكم، ليمحوا ما سطرتموه من إعجاز تاريخي يحسدكم عليه اعداؤكم، ليس له في التاريخ نظير في الصبر والتضحية والجلد والصمود، يريدون لكم أن تضحوا به ويعلنوا النصر عليكم، فلا تعطوهم الفرصة، وأنتم من أنتم في إيمانكم وأملكم بالفرج من الله، حيث قال عز من قائل (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُثثثجْرِمِينَ).
اللهم إنا نسألك اليسر بعد العسر، والفرج بعد الكرب، والرخاء بعد الشدة ..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) صدق الله العظيم.
واستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
|