البحث في :  

 

  
 • الكتب العقائدية
 • الكتب الفقهية
 • الكتب التاريخية
 • الكتب الأخلاقية
 • الكتب الحديثية
 • كتب السيرة
 • كتب متنوعة
 • أدعية وزيارات
الاعتدال في الانفاق
كتاب : الانفاق في سبيل الله
القسم : كتب متنوعة


الشرط الثاني :
الاعتدال في الانفاق

لقد سبق أن بينا في أول البحث أن الإسلام قد أخذ بعين الاعتبار الاعتدال في الأمور كأساس للنظام الإجتماعي ، وبذلك يمكن التعديل وتسير الأمور على النحو الوسط .
وقد جعل من الآية الكريمة :
( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا )(1) .
مقياساً وضابطاً لتعديل الإنسان في حياته الإجتماعية . والآية الكريمة ، وان كان لسانها هو العطاء والبذل ، والمنع ، والشح ، ولكن ـ كما قلنا ـ آيات القرآن أحكام تشريعية لا تخص بمورد دون آخر ، ولا بوقت دون وقت إلا أن تقوم القرينة على الاختصاص ، ومع عدمها فالقضية تبقى عامة والحكم شامل وسار ، وقد اشتملت الآية الكريمة على مقاطع ثلاث ، ومن مجموعها تثبت القاعدة المذكورة .
1 ـ « ولا تجعل يدك مغلوقة إلى عنقك » :
وهذا هو المقياس ، والضابط للإمتناع ، وعدم الاقدام ومسك اليد كما لو كانت يد الإنسان مشدودة إلى عنقه فلا يقدر على
____________
(1) سورة الاسراء | آية : 29 .
( 127 )

البذل ، والعطاء
2 ـ « ولا تبسطها كل البسط » :
وهذه هي الصورة المعبرة لإنبساط اليد ، وعدم الادخار بحيث يبذل الإنسان يبقى فلا شيئاً له .
فلا هذا ولا ذاك لأن كلاً من هاتين الحالتين تؤدي بالإنسان إلى عدم الاعتدال ، وحينئذٍ :
3 ـ « فتقعد ملوماً محسوراً » :
ملوماً في حالة الإمتناع حيث تلوكه الألسن وتتحدث عن بخله الناس فيلومونه على هذه الحالة .
ومحسوراً في حالة البسط ، والعطاء الكلي لأنه سينقطع عن كل أحد ، والناس كما يقول الشاعر :

والنـاس من يلق خيراً قـائلون لـه * لـك البقـا ولأم الخاسـر البهـل

وقد جاء عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في توضيح له لهذه الآية :
« أن أمسكت تققعد ملوماً مذموماً ، وان أسرفت بقيت منحسرا مغموماً » (1) .
ومن هذا المنطلق والسير على ضوء هذه القاعدة الكبرى كأساس لحفظ التوازن والتعديل .
تأتي الآيات الكريمة لتضع الشرط الثاني للإنفاق فتقرر
____________
(1) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية 29 من سورة بني اسرائيل .
( 128 )

ضرورة الاعتدال فيه .
( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ) (1) .
والآية جاءت في معرض الحديث عن عباد الرحمن حيث قال سبحانه فيما سبق هذه الآية :
( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً * إنها ساءت مستقراً ومقاماً ) (2) .
وقال تعالى فيما بعد هذه الآية ، وهو يعدد صفات عباده الذين ارتضاهم لنفسه .
( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولايزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما ) (3) .
هؤلاء هم عباد الرحمن الذين تحدثت عنهم الآيات الكريمة بشيء من الاعتزاز .
سمتهم الاعتدال في كل اعمالهم مع ربهم ، ومع مجتمعهم ، وفي ليلهم ، وفي نهارهم .
أما مع ربهم حيث رأينا الآية تقول عنهم : انهم يبتون لربهم سجداً وقياماً .
____________
(1) سورة الفرقان | آية : 67 .
(2) سورة الفرقان | آية : 63 و 65 و 66 .
(3) سورة الفرقان | آية : 68 .
( 129 )

يحنون إلى الليل كما تحن الطيور إلى أوكارها يقومون بين يدي الله خاشعين مصلين يسبحونه ويعظمونه سجداً وقياماً .
وربما كان منظرهم هذا وانهماكهم بالعبادة موجباً لأن يتخيل الإنسان أن هؤلاء رهباناً عباداً تركوا الدنيا وعزفت نفوسهم عن كل شيء ، واتجهوا إلى الله فأين الاعتدال في أوضاعهم ؟
وسرعان ما يتبدد هذا التصور عندما نراهم يطلبون من الله ، وهم في مثل هذا الحال قائلين :
( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً ) (1) .
فهم في الوقت الذي يؤدون ما عليهم اتجاه خالقهم يريدون منه أن يهيء لهم أزواجاً ، ومن الأزواج ذرية طيبة تقر بذلك أعينهم فهم يجمعون بين الغذائين الروحي والجسدي .
وأما مع مجتمعهم فهم يتحسسون مشاكله ويعيشون آلام الطبقات الضعيفة ينفقون مما رزقهم الله ولا يضنون بالمال عليهم ، ولكن بشكل معتدل يرضون به ربهم ويحفظون به على رصيدهم .
( والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ) (2) .
وهذا هو الخط المعتدل في الصرف والانفاق « لم يسرفوا ولم يقتروا » حفاظاً على المال ورعاية له .
____________
(1) سورة الفرقان | آية : 74 .
(2) سورة الفرقان | آية : 67 .
( 130 )

« لم يسرفوا » :
لأن المال الذي أعطاه الله لهم فيه حق لآخرين من الأهل والعيال والورثة فلا بد من رعايتهم لئلا يتركهم من يعول بهم يتسولون .
« ولم يقتروا » :
لأن في ذلك جناية على المال وكفراناً لنعمة الله على من ملكه . . . ذلك لأن الله رزق العبد لينتفع به وفي الوقت نفسه لينتفع به الآخرون من أفراد المجتمع لا ليحبسه ويحجر عليه .
وإذاً فلا بد من الاعتدال في الإنفاق والمحافظة على النقطة ، والوسط بين الحالتين ، ولذلك أوصت الآية الكريمة أن يتحلى الإنسان في هذه الحياة بما فيه إنفاقه بمضمون الآية عندما تقرر قوله تعالى :
« وكان بين ذلك قواماً » :
والقوام الوسط العدل بين الافراط والتفريط وبين الاسراف والشح وبين الاسراع والتباطؤ .
وبعد أن تعدد الآيات صفات هؤلاء المؤمنين المعتدلين تبشرهم بجزاء هذه الصفات ، وهذا الاعتدال الطبيعي في مسيرتهم الحياتية .
( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً * خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً ) (1) .
____________
(1) سورة الفرقان | آية : 75 ـ 76 .
( 131 )

وكان من هؤلاء الذين ذكرت جزاءهم الآية الكريمة : المؤمنون المعتدلون في الانفاق ـ موضوع بحثنا ـ فقد جزاهم ربهم الغرفة ـ الجنة ـ تتلقاهم الملائكة بالتحية والسلام تكريماً لهم خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً .
التحذير من الوقوع في التهلكة :
وفي وصايا أخرى تتعلق بموضوع بحثنا نرى القرآن الكريم يحذر المنفقين في أن يبسطوا أيديهم في إنفاقهم بما يضر بحالهم ويؤثر على الوضع المالي للمنفقين قال عز وجل :
( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) (1) .
أما سبيل الله : هو كل طريق شرعه الله تعالى لعباده ، ويدخل فيه الجهاد والحج ، وعمارة القناطر ، والمساجد ، ومعاونة المساكين ، والأيتام ، وغير ذلك ، بل وكل ما أمر الله به من أبواب الخير ، والبر ، وحينئذٍ فيكون السبيل هو الطريق .
والآية تسير على نفس الخط الذي رسمته الآيات المتقدمة من ضرورة الاعتدال في الانفاق وعدم الإسراف فيه لأن الاسراف وانفاق المال يؤدي الى التهلكة وهي الضياع إذ أن أصل الهلاك هو الضياع والهالك الفقير بمضيعة (2) .
وإنما يكون بمضيعة لأنه كان غنياً موسراً فأصبح فقيراً معدماً ، فهو بمضيعة فقد ما يقوم مغاشه يقول الإمام أبو عبد الله الصادق ( عليه السلام ) :
____________
(1) سورة البقرة | آية : 195 .
(2) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية .
( 132 )

لو أن رجلاً انفق ما في يده في سبيل الله ما كان أحسن ولا وفق لقوله سبحانه : « ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة » (1) .
وعندما يحذر القرآن المنفقين عن إلقاء أنفسهم في التهلكة عند الإنفاق بغير اعتدال فإنه في نفس الوقت يوجههم الى السير المنظم في الطريق المستقيم كحد وسط بين الاسراف والتقتير لذلك ختمت الآية الموضوع بقوله عز وجل :
( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) (2) .
وقد فسر قوله ( المحسنين ) بالمقتصدين .
والاقتصاد هو الاعتدال في الصرف (3) .
الإنفاق بدون تبذير :
ولا يقتصر الايصاء من القرآن على الاعتدال في الإنفاق من حيث القلة والكثرة ، بل هناك جهة أخرى لا بد من رعايتها ، وهي عدم التبذير فقد قال سبحانه :
( وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً * إن المبذرون كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا ) (4) .
قال في المجمع التبذير التفريق بالاسراف ، وأصله أن يفرق البذر إلا أنه يختص بما يكون على سبيل الافساد . وما كان على
____________
(1) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية .
(2) سورة البقرة | آية : 195 .
(3) مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية .
(4) سورة الاسراء | آية : 26 ـ 27 .
( 133 )

سبيل الإصلاح لا يسمى تبذيراً وان كثر (1) .
وهذه النقطة لا بد من ملاحظتها ورعايتها لأن النتائج المترتبة على التبذير أخطر من النتائج التي تترتب على الاسراف في الانفاق والذي عبر القرآن عنه بالوقوع بالتهلكة ، أو في الآية المتقدمة أن المسرف يقعد ملوماً محسوراً .
وذلك لأن الاسراف لا يخلف إلا الضرر على المنفق ، ومن يرثه حيث صرف المال كله وجلس معدماً محسوراً ، أما المبذر فإنه لا ينفق المال في حقه .
« وعن مجاهد لوانفق المال في باطل كان مبذراً » .
وفرق كثير بين إنفاقه كله وعلى الأخص لو كان في سبيل الله وبين إنفاقه في الباطل .
ولذا رأينا الآية الكريمة قالت عن المبذرين إنهم .
« كانوا إخوان الشياطين » :
لأنهم لا ينفقون مالهم في الحق ، وفي طريق الخير ، ولذا كانوا إخواناً للشياطين وليتبوأ مقعده في النار من كان اخاً للشيطان وقريناً له .
أما المسرفون : فلم يرد فيهم مثل ذلك بل أقصى ما جاء فيه ان يدخل الضرر على نفسه فيقعد ملوماً محسوراً .
____________
(1) لاحظ مجمع البيان في تفسيره لهذه الآية .

 

إستخدم تنسيق الشاشة 800*600    .:.     تصميم، برمجة، وتقدمة الإستضافة من شبكة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net